آخر ساعة

موكب خاشع في نقابة الصحفيين لتوديع الصحفي كمال العبيدي

تونس/ الشعب نيوز - في أجواء خيّم عليها الحزن والوفاء، احتضن مقرّ النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين ، الأحد 25 جانفي 2026 الجاري ، موكب تأبين الصحفي الفقيد كمال العبيدي، بحضور مهيب جمع عائلته وأصدقاءه ورفاق دربه وزملاءه من الصحفيين والصحفيات، الذين جاؤوا ليجددوا العهد لذكرى إنسان ترك أثراً لا يُمحى في قلوبهم وفي المهنة.   

وقد استُحضرت خلال كلمات التأبين شهادات مؤثرة قدّمها كلّ من بشير واردة وحميدة البور وهشام السنوسي ونادرة بوكسرة، عبّروا فيها بحرقة صادقة عن محطات إنسانية ومهنية جمعتهم بالفقيد في فترات مفصلية من حياته. وتوقّف المتدخلون/ات عند ما تميّز به الراحل من قيم نبيلة، وخصال أخلاقية رفيعة، وكفاءة مهنية عالية، جعلت منه رفيقاً صادقاً وصحفياً ملتزماً، ترك بصمته الواضحة في عديد المجالات طوال مسيرته الغنية بالعطاء.

من جهته، أبّن نقيب الصحفيين التونسيين الفقيد في نص مطول قائلا بالخصوص نودّع كمال العبيدي، لا بوصفه اسمًا في تاريخ الصحافة التونسية، بل بوصفه أحد أولئك الذين أعطوا لهذه المهنة معناها حين كانت مفرغة من المعنى، وحمَلوها كمسؤولية أخلاقية حين تحوّلت إلى أداة في يد القمع. 

في تجربته الأولى داخل الإعلام العمومي، واجه مبكرًا واقعًا يعرفه كثيرون: خبر يُكتب وفق ما يُطلب، لا وفق ما يفرضه الضمير. وحين طُلب منه أن يتكيّف، اختار أن يخرج.ذلك القرار لم يكن انسحابًا، بل تأسيسًا لمسار كامل، عنوانه: لا مهنة بلا كرامة، ولا خبر بلا استقلالية.

وفي الصحافة الدولية، لم يتعامل مع المسافة الجغرافية كمسافة أخلاقية، ظلّ مشغولًا بسؤال الحرية، وبفضح آليات الاستبداد، وبالتحذير من تواطؤ الصمت. ومع تراكم التجربة، أصبح واضحًا لديه أن الدفاع عن الصحافة لا يكتمل من داخل غرف التحرير فقط.

هكذا كان انخراطه المبكّر في العمل الحقوقي، ومساهمته في بناء هياكل الدفاع عن الحريات، تعبيرًا عن وعي عميق بأن الصحفي، حين يُمنع من أداء عمله، لا يدافع عن نفسه فقط، بل عن حق المجتمع بأسره في المعرفة.

في كل المواقع التي شغلها، وفي كل الأطر التي عمل داخلها، ظلّ كمال العبيدي ثابتًا على مبدأ واحد: الصحفي ليس ضحية تحتاج إلى شفقة، بل فاعل يحتاج إلى حماية قانونية ومجتمعية حتى يؤدي دوره.

 واشار زياد دبار الى دور الفقيد بعد 2011 حيث قاد الهيئة الوطنية لإصلاح الإعلام والاتصال بروح نقدية صارمة، مدركًا أن أخطر ما يهدّد حرية الصحافة لا يكون دائمًا القمع المباشر، بل الالتفاف، والتطويع، وتحويل الإصلاح إلى واجهة بلا مضمون.

وعندما أسّس لاحقًا جمعية «يقظة من أجل الديمقراطية والدولة المدنية»، كان ذلك خلاصة مسار طويل، أدرك فيه أن الصحافة لا يمكن أن تزدهر خارج دولة قانون، وأن الحرية لا تصمد إن لم تسندها مؤسسات، وثقافة مواطِنية، ووعي مجتمعي.

كان كمال العبيدي قليل الكلام عن نفسه، كثير الانشغال بما يجب فعله. وحين أتعبه المرض، لم يتحوّل إلى شاهد على الهزائم، بل ظلّ يقظًا، متابعًا، قلقًا على المعنى، وعلى المصير.

رحمه الله واسكنه فراديس جنانه ورزق اهله وذويه واصدقاءه وكل من عرفه جميل الصبر والسلوان.